دير شيح
على بعد نحو 45 كلم تقع منطقة وادي خالد الحدودية بقراها الخمس عشرة التي تنتشر فيها عشائر العتيق والغنّام والخطبة والعويشات والمنافي والخضيرين وبيت عزّو وهي عشائر استقرت في الوادي منذ ان مرّ الفاتح العربي خالد بن الوليد في تلك المنطقة مع جيشه مخلفا هذه العشائر واسمه بحيث باتت تُعرف باسم «وادي خالد». وتحتفظ هذه العشائر بالنسب العربي ويتوارثه الابناء عن الاجداد جيلا بعد جيل. وتتوزع هذه العشائر التي تنقسم الى عائلات تعرف بها في قرى الوادي: العماير ـ الرامة ـ العوّادة ـ الهيشة ـ جرمانايا ـ كرم زبدين ـ المقيبلة ـ رجم عيسى ـ رجم خلف ـ رجم حسين ـ المجدل ـ الكلخة ـ حنيدر ـ الكنيسة ـ البرج.
بعض هذه الاسماء من اصل سرياني (آرامي) وبعضها الآخر من اصل عربي، وفي ذلك دلالة على قدم هذه المنطقة واشارة الى الشعوب التي استقرت فيا مخلّفة الآثار التي لا تزال شاهدة على حقبات تاريخية مر فيها وادي خالد حيث تؤكد الشواهد الى انها كانت مدينة حضارية مدنية وليست مدينة عسكرية كغيرها من المواقع الاثرية في عكار ذات البعد العسكري...
دير شيح وقلعة البرج
من الآثار الهامة في وادي خالد «دير شيح» هذا الموقع الاثري الآرامي ـ السرياني الذي لا يزال يحتفظ بملامحه الاثرية القديمة رغم ما تعرّض له من تخريب على أيادي هواة الآثار الذين أمعنوا فيه تخريبا خلال البحث عن لقى وبقايا اثرية فتحوّل الى ركام من الحجارة لا تزال تحمل الشواهد التاريخية.
ويقع هذا الدير حاليا في قرية العوّادة التي تكاد تكون بمجملها منطقة اثرية تمتد حتى قمة الجبل المجاور لها، والتي نشأت عليها قلعة صليبية تعرف اليوم باسم «قلعة البرج» والتي شكّلت متراسا متقدما لقلعة الحصن السورية الواقعة على ضفاف النهر الكبير الشمالية. وكعادة الصليبيين، بنوا في القلعة كنيسة عُرفت باسم «كنيسة سان جان» التي لا تزال آثارها موجودة وفيها الكثير من النقوش التي تدل على صليبيتها. ويعود تاريخها الى بدايات القرن الحادي عشر، وكانت بقايا هذه الكنيسة تشير الى اهمية الفن المعماري وجماليته خصوصا في قاعة «الخوروس» او الحنيّة (وهي كناية عن شكل نصف دائرة بشكل هندسي وفيها تنور يعرف بـ Cul de four). وللقاعة فتحة شرقية حيث مصدر نور الايمان حسب الطقوس المسيحية، وقد خصصت هذه الكنيسة للصليبيين من اهل القلعة.
وفي اسفل القلعة باتجاه الشرق الشمالي لا تزال بقايا دير الشيح المجاور لمغارة اثرية ولنبع يعرف ايضا باسم «نبع دير الشيح»، ويتصل بنهر الصفا في وادي خالد. ويعتقد ان الدير سمي على اسم نبات عطري قصير القامة لكنه قوي الرائحة ويكثر في تلك المنطقة، غير ان «شيح» تعني في الآرامية «القول والكلام والتأمل».
وتحوّل الدير اليوم الى بقايا حجارة مبعثرة غير انه احتفظ بزواياه المتشابكة واقنيته الحجرية والمزاريب وبنقوش الصلبان الشبيهة بشعار «فرسان مالطا». ولا تزال بعض اقبيته واضحة المعالم اضافة الى ملامح لمعاصر الزيتون التي حُفرت اقنيتها في صخرة ضخمة وبهندسة فائقة يعجز عنها مهندسو اليوم نظرا الى القرن الرابع الميلادي تاريخ بناء هذا الدير..
ومن المؤكد والمتعارف عليه ان الرهبان الذين اقاموا في الدير قد انشأوا حولهم حضارة راقية ومتكاملة استكملوها ببناء القلعة المعروفة اليوم باسم «قلعة البرج»، وبالتلة التي تعرف ايضا باسم «تلة دير شيح». ويعتقد ان تاريخ القلعة ـ كما ذكرنا آنفا ـ يعود الى بدايات القرن الحادي عشر من العصور المسيحية الاولى.
وبقي دير شيح عامرا هو والقلعة وكنيستها الى نحو سنة 1200 م في بدايات القرن الثالث عشر الى ان حصلت المعركة الاولى من الحملة الصليبية الثالثة والتي وقعت في سهل البقيعة بين الصليبيين والاكراد الذين انسحبوا الى تلة دير شيح وتحصّنوا فيها. في حين خيّم الصليبيون في سهل البقيعة ليشنوا حملتهم في اليوم الثاني باتجاه التلة فسيطروا عليها وأعادوا بناء القلعة والكنيسة. ويُرجح العالم الاركيولوجي «ديسوا» الذي استكشف المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر ان الاسم الصليبي لقلعة البرج هو (Melechin) ويعتقد انه اسم عربي قديم حرّفه الصليبيون. ثم عرفت فيما بعد باسم «قلعة البرج» لعلو برجها الرئيسي المتحكم بالمنطقة حتى حمص.
وبقي الصليبيون في المنطقة حتى وصول المماليك بقيادة الظاهر بيبرس في نهاية القرن الثالث عشر فهدّموا القلعة وهجّروا اهالي دير شيح وكل من تحالف مع الصليبين وتوزع الاهالي في المناطق المجاورة.
وكان الوصول الى تلة دير شيح صعبا للغاية وحتى اليوم حيث يظهر الممر الصخري الكبير في علو واضح كان يصعب على الخيالة اجتيازه. لذلك كان موقعا استراتيجيا يتحكم بممر وادي خالد وشكّل حصنا للمقيمين في دير شيح الواسع الارجاء.
حير بعارة
وفي جدار دير شيح كانت حير بعارة اهم حاضرة مسيحية قامت فوق انقاض فينيقية وآرامية، واعتبرت من اهم المراكز المسيحية في العصور الاولى فكان فيها مركز الاسقفية حيث نشأت كاتدرائية مميزة بجدرانها الداخلية النافرة وكانت تتألف من طبقتين. وتقع حير بعارة في مثلث قرى حنيدر والكنيسة وقرحة وعلى مقربة من نبع الصفا (اكبر روافد النهر الكبير الجنوبي)، وتتميز آثار حير بعارة بحجارتها الضخمة المستطيلة وشبه المنحرفة وبنقوشها واجرانها الكبيرة وابوابها الحجرية بطول متر ونصف وعرض متر ونقشت عليها رموز وصلبان تعود اى الزمن البيزنطي. وحير بعارة التي تحولت اليوم الى ركام من الحجارة كانت مسقوفة بالحجارة على غرار قصر النبات الذي تحدثنا عنه في «الديار» منذ اشهر... والقواعد الحجرية تحمل شكل شبه المنحرف وكانت تستعمل قواعد للأعمدة كذلك الاعمدة الحجرية التي بلغ طولها 5،2 متر.
وقد ورد ذكر آثار حير بعارة في مراجع عدة حيث يعود تاريخها الى الزمن السلوقي ففي «تاريخ كنيسة انطاكية لمؤلفه خريسوشمس بابا دوبولس. تعريب الاسقف استفانس حداد ما يلي: «ذكر مدينة خلكيس سورية التي على نهر بيلو «النهر الكبير» فينيقية وقد اتخذت اسمها من خلكيذا في ايفياد بلاد اليونان ومنه تحدر الفيلسوف ايا مفلخوس الافلاطوني الجديد الذي اشتهر ذكره في آخر القرن الثالث بعد الميلاد. وكانت توجد بهذا الاسم خلكيس مدينة اخرى تبعد عن حلب اربعة وثمانين ميلا الى الشرق الجنوبي دعيت فيما بعد بالآرامية والعربية قنسرين».
اما الخرائب، اليوم والى امد قريب قبل ان تصبح ركاما فتشير الى بقايا قصر كبير وكانت تظهر فيها آثار الصلبان البيزنطية على اكثر عتباتها. ويفصل بين آثارها بحيرة صغيرة تجمع فيها المياه في فصل الشتاء.
وفي الزمن الآرامي ورد ان مدينة قَدَس تقع غربي مدينة حمص وتجاور بحيرتها وفي المصور صفحة 390 من الكتاب المذكور خريطة لبنان وتبدو بحيرة حمص قريبة جدا من الآثار الموجودة في حير بعارة... ومن بقايا حير بعارة التي لا تزال تتعرض للسرقة والعبث الى اليوم:
ـ بئران يعودان للعصر الروماني وقد ردما بالحجارة ولم يبقَ لهما اي اثر. والمقبرة التي تقع شرقي القسم الغربي للآثار وبقايا قصر لجهة الشرق. وكانت حير بعارة مركزا لأسقفية الجوتية القديمة ومركزا تجاريا هاما بين حمص وعرقة، وبقيت آهلة بالسكان حتى اواخر القرن التاسع عشر. ولكنها اليوم مجرد خرائب وتعرف المنطقة الغربية منها بحارة النصارى ومن العائلات التي كانت تسكنها آل الخوري ونزحوا الى بلدتي عندقت ودير جنين، وآل عراجي نزحوا الى بر الياس في البقاع وآل البقار ونزحوا الى طرابلس، حسب معلومات الاب نايف اسطفان التي سيضمنها كتابه الجديد «دوارس الآثار في قضاء عكار» وهو قيد الطبع.
جرمانايا
وفي جرمانايا ايضا كانت توجد كاتدرائية على اسم السيدة جرى تدشينها في عيد القديس يوحنا المعمدان في القرن السادس الميلادي حسب نقوش على حجر بقي شاهدا وحيدا على الكاتدرائية عُثر عليه في جرمانايا وهو اليوم في زاوية احد منازل القرية المذكورة...
▪▪▫▪▪
عكار نٌيوٌزُ أِلّإخٌبًأِرٌي
🛡Akkar News
www.annlb.com/