أحدث التعليقات

أخر المواضيع

منطقة القموعة

تقع منطقة القموعة السياحية في جبال قضاء عكار، الى الشرق من بلدة فنيدق وجنوب عكار العتيقة. ويحدها من الجنوب الغربي قرى تاشع وممنع وبزبينا، ومن الجنوب الشرقي القبيات والرويمة وكرم شباط على طريق آل جعفر الهرمل. سُميت القموعة لارتفاع قممها ووفرة مياهها، وهذا ما يلائم واقع المنطقة الجغرافي والطبيعي. تبعد 36 كيلومتراً عن حلبا مركز القضاء، و61 كيلومتراً عن طرابلس، و146 كيلومتراً عن العاصمة بيروت. ويمكن الوصول اليها عبر طريق بيروت - طرابلس - برقايل - القموعة. كما تتصل بعكار عبر رحبة وعكار العتيقة والشقدوف وتاشع والقبيات.
تتألف القموعة من مجموعة سلاسل جبلية ومنبسط سهلي فسيح تقدر مساحته بـ50 هكتاراً يعرف بـ"سهلة القموعة" او "السهلات". وهي تعلو محور القيطع في عكار، وتتدرج في الارتفاع عن سطح البحر من 1400 متر حتى 1755 متراً عند السهلات وتصل أعلى نقطة فيها الى 2250 متراً. تتكامل هذه المنطقة مع كرم شباط في القبيات، ليُشكلا معاً الحد الطبيعي الفاصل بين الشمال والبقاع على حدود قضاءي عكار والهرمل. وتتميز بمناخها المعتدل صيفاً وبثلوجها شتاء، اذ تتحول السهلة بحيرة طبيعية تنعكس فيها صورة الجبال المحيطة مما يضفي على الموقع سحراً مميزاً.
آثار متنوعة
تتميز القموعة بآثارها المتنوعة ولا سيما قلعة "عروبة" او "عارومة" التي يدل اسمها على تعبير سامي بمعنى العلو والارتفاع. وهي تحوي نقوشاً رومانية في الصخور.
وفي شير الصنم يمكن مشاهدة نقش لنبوخذنصر مما يؤكد على اهمية المنطقة التاريخية. اضافة الى عدد من النقوش التي تعود الى الامبراطور الروماني هادريانوس اوغسطس، ناهيك عن المدافن التي حفرت في الصخور والتي يربو عددها عن الخمسين. وتتوزع فيها بعض الآثار الفينيقية، الكلدانية، الرومانية، البيزنطية والعربية الخ... ويُذكر أن المنطقة ظلت مأهولة حتى العهد الاموي.
مصدر المياه الاول في عكار
يذكر الخبير الجيولوجي عطا الياس في دراسة أعدها عن منطقة القموعة صدرت بتاريخ 14 آب 1999 ان المنطقة "هي مثال لما يسميه الجيولوجيون منطقة تضريس صلصلي، وهذا يعني أن الصخور في معظمها من الكلس والكلس السجيلي، وهي منحوتة جيداً من الداخل عبر التحلل بفعل الحمض الموجود في ماء المطر. هذا التحلل الشديد يؤدي الى تشكيل المغاور والتجاويف تحت الارض والموصولة ببعضها عبر قنوات وممرات مليئة بالماء الذي يتراكم ويجري في الداخل حافراً الصخور ومنتهياً على شكل ينابيع وعيون صغيرة تصب في بعض الاحيان على مسافة بعيدة من الخزان. وعندما تكبر التجويفات المحفورة داخل الصخور ينتهي الامر الى تدحرجها فتشكل منخفضات كبيرة بعض الشيء على السطح تسمى السري la piax او منخفضاً مسطحاً Dolines، وإن سهلة القموعة هي من هذا النوع". ويضيف ان هذا المنخفض لا يستعمل في الشتاء لأنه يحبس الماء على السطح محولاً المنطقة بحيرة واسعة، كونه من الصلصال.
وكشف الياس في دراسته أن القموعة هي اكبر خزان ماء يغذي منطقة عكار العليا بمياه الشفة. ومن هذا المكان ايضاً تنبع الانهر الرئيسية في المنطقة. ويحتوي هذا الحوض المائي الكبير على منسوب مياه مهم جداً من حيث النوعية والكمية".
ويشير التقرير الفني الذي أعده "مكتب الدراسات المائية الفنية" في آذار عام 1995 العائد لـ"مشروع دراسة مصادر المياه وتجميع تحليل قياسات الكيول العائدة للأنهر الرئيسية في محافظة لبنان الشمالية" الى ارتباط أنهر: الكبير الشمالي واسطوان والبارد وأبو موسى بخزان المياه في القموعة او متفرعاته، مما يُكسب هذه المنطقة اهمية خاصة ترتبط بالنشاط الزراعي والحياة اليومية للمزارعين، اضافة الى الينابيع التي تغذى من القموعة ولا سيما: عين فنيدق، نبع الشوح، عين البنات، عين السكر، عين البرغوت، نبع الخوخ، نبع الشيخ زناد، نبع ذبود وينابيع رحبة. علماً ان محطة تكرير المياه في بلدة بزبينا - الجومة والتي تؤمن مياه الشفة لقسم كبير من منطقة عكار تتغذى ينابيعها من القموعة مباشرة.
الغابات
القموعة منطقة طبيعية تنتشر فيها الغابات التي يعود بعضها الى زهاء الفي عام; ابرزها:
- اربع غابات من الأرز تعود الى زهاء الفي عام. ويبلغ قطر الشجرة ستة امتار وعشرين سنتيمتراً، وعلوها 25 متراً. تقع الاولى في معبر الشير على سفح قلعة عروبة ويقدر عدد اشجارها بأربعة آلاف شجرة. اما الثانية فتمتد في قرنة عين كنعان، وتتمركز الثالثة في وادي القطارة، والرابعة في عين الجمل.
- غابة شوح، قديمة العهد وهي الاولى في لبنان وتعود الى 2500 عام تقريباً.
- غابة لزّاب الفريدة. ويقال أن اللزاب لا تنبت الا بعد أن يأكلها ويمضغها ثعلب او شحرور ثم يخرجها، فتزرع.
- غابة من العذر النادر، لا مثيل لها في الشرق الاوسط، ويبلغ عمرها 1500 عام. ترتفع اشجارها الى ثلاثين متراً.
- غابات الصنوبر الكثيفة التي تحيط بمنطقة السهلات.
بالاضافة الى ذلك فهي تضم 40 نوعاً من الاشجار واصنافاً لا تحصى من النبات والطيور مثل الهدهد والحجل والقنبر البري.

قرارات ولكن...
نظراً الى اهمية المنطقة، اصدر وزير الزراعة (السابق) محسن دلول بتاريخ 22 كانون الاول 1991 قراراً حمل الرقم 165/1 قضى باعتبار جبال القموعة محمية، حيث "الاراضي هي ملك للدولة وضمن مشاعات القرى المحيطة". وتضمن القرار 20 مادة نصت على تحريج ألفي هكتار يمكن ان تكون محمية للاحراج والنباتات البرية والطيور والحيوانات البرية على اختلافها، واعادة تأهيل مخفر الاحراج الموجود ضمن هذه المحمية، ومنع قطع الاشجار والاعتداء على الثروة الطبيعية. كما نص القرار على شق طرقات داخل المحمية وخاصة حول الغابات حتى يتمكن السياح من التجوال، وانشاء مشتل زراعي في المحمية. ولم يغفل القرار أهمية الثروة الحيوانية فقضى بإنشاء حدائق للحيوانات والطيور البرية، وحدائق للنباتات في اطار المحمية الوطنية. وبالنسبة الى دخول المحمية، حصر القرار امكان الدخول للمولجين بالحماية والتربية حين تدعو الحاجة، ولعلماء الطبيعة بعد أخذ إذن خاص. اما السياح والزائرون فتُنشأ لهم اماكن معينة وطرقات خاصة تشرف على الغابات، ولا يُسمح بحمل السلاح داخل المحمية، ومرافقة الحراس للسياح ضرورية، وعلى رغم مرور عشرة اعوام على صدور هذا القرار، لم ينفذ منه شيء.
وقد صدر قرار آخر عن وزير السياحة (السابق) نقولا فتوش يحمل الرقم 198 بتاريخ 16 كانون الاول 1993 قضى باعتبار القموعة وعرقة (وهي مدينة فينيقية ملاصقة لحلبا مركز القضاء، مرّت عليها عصور تاريخية مختلفة وهي تعاني الإهمال، والآثار القيّمة فيها سائبة. وذكر عالم الآثار الفرنسي جان - بول تولمان أنها الاولى في الشرق الاوسط من حيث غناها بالآثار. وقد وُلد فيها الامبراطور الروماني اسكندر ساويروس) موقعين سياحيين. ونص هذا القرار على ذكر هذين الموقعين في المنشورات والخرائط السياحية تمهيداً لوضعهما في البرامج السياحية الداخلية وبرامج السياح الاجانب. الا ان هذا القرار لم ينفّذ ايضاً.
تلوث المياه
في موازاة هذا الوضع السائب، تبقى المنطقة عرضة للتلوث الذي سيؤثر حتماً على المياه في منطقة عكار مما ينعكس سلباً على صحة المواطنين.
يذكر الخبير الياس في دراسته التي أشرنا اليها أن المنطقة تتغذى فقط من الهواطل (الثلج والمطر والبَرَد) ولا تتلقى أية كمية من المياه من مصادر او مناطق اخرى، وتالياً لا بد من الحفاظ على نوعية المياه لحماية المكان. ويوضح أن الصخور العائدة الى الدهر الثاني منخورة ويمكن اختراقها بكثرة، فهي لا تستطيع أن تؤمّن تصفية جيدة لمياه الامطار. ويدعو الى ضرورة حماية المنطقة من مصادر التلوث لتأمين مياه ذات نوعية جيدة لسكان المنطقة، عبر الغاء مصادر التلوث الزراعي: الادوية المقاومة للطفيليات، والافراط في رش السماد او التلوث المنزلي، الحفر الصحية، المياه المبتذلة، او التلوث الصناعي. وهكذا فإن تلوث مياه المنطقة سيؤثر على معظم القرى التي تتغذى ينابيعها من القموعة.
المشكلة العقارية
من المشاكل التي يعانيها لبنان منذ نشأة الجمهورية عام 1920 وحتى اليوم، عدم وجود مسح عقاري لمناطق كثيرة
ومنها منطقة القموعة التي شهدت سابقاً خلافات على الحدود بين فنيدق وعشائر الهرمل سابقاً، وهي تعاني اليوم انعكاسات الخلاف على الملكية بين فنيدق وعكار العتيقة البلدتين المجاورتين للقموعة واللتين تدعيان ملكية هذه المنطقة، في حين أنها ملك للدولة اللبنانية. وتؤكد هذه الملكية عريضة موقعة من 60 مختاراً في قضاء عكار فيها أن "القموعة بكاملها هي منطقة سياحية تعود منفعتها للبنان عامة ولعكار في شكل خاص، وان كل عكار تتمسك بحق انتفاعها سياحياً واصطيافياً في القموعة بكاملها دون أية تجزئة". وهذا ما تثبته ايضاً شهادات العرف والعادة والرعاة وكبار السن والتي تفيد أن المنطقة مشاع. اضافة الى بناء عمارات للانكليز ولوزارة الزراعة (الأحراج) وشق الطرقات العامة بين الجومة (يقسم قضاء عكار خمسة اجزاء: الشفت، الجومة، القيطع، الدريب والسهل) وسهلة القموعة حيث يوجد مخفر لمأموري الاحراج. اضافة الى قراري وزارتي الزراعة والسياحة المذكورين آنفاً.
كما أن لجنة المتابعة في عكار العتيقة أرسلت كتاباً الى محافظ الشمال السابق خليل الهندي تؤكد فيه مشاعية القموعة بسهلها ومياهها واشجارها. وقد اقترح الهندي في تقرير رفعه الى وزير الداخلية حينذاك ميشال المر بتاريخ 30 تشرين الثاني 1995 حول القموعة، الحفاظ على هذه الممتلكات وحمايتها عبر الادارات والاجهزة المعنية، واعادة مركز الاحراج وتفعيله ليحافظ على الاحراج وسائر ممتلكات الدولة، وتكليف مصلحة الاحراج في وزارة الزراعة ازالة النصوب التي غرسها اهالي فنيدق في سهلة القموعة ومنعهم من فلاحة سائر ارجاء السهلة او استثمارها. كما اقترح تحقيق المصلحة العامة لعموم عكار في ما يتعلق بالبيئة والحفاظ عليها، والإفساح امام السياحة وتأمين الأمن والاستقرار في عكار في سياق بناء السلم الاهلي بعد الحرب.
لكن تأخر الدولة في بت هذا الموضوع يضع القموعة في حال من التجاذب بين هذا وذاك. لذا لا بد للدولة من ممارسة دورها الطبيعي في هذا المجال للحفاظ على هذه الثروة، الا اذا كانت الضغوط السياسية تحول دون ذلك، كما يبدو.